ابن قتيبة الدينوري
73
تأويل مشكل القرآن
مستأسدا ذبّانه في غيطل * يقلن للرّائد : أعشبت انزل ولم يقل الذباب شيئا من هذا ، ولكنه دل على نفسه بطنينه ، ودل مكانه على المرعى ، لأنه لا يجتمع إلا في عشب ، فكأنه قال للرائد : هذا عشب فأنزل . وقال آخر يصف ذئبا « 1 » : يستخبر الرّيح إذا لم يسمع * بمثل مقراع الصّفا الموقّع يريد : أنه يشتمم ثم يتّبع الرائحة بخطم كأنه الفأس التي يكسر بها الصخر ، فجعل تشممه استخبارا . قال أبو محمد : وقد تبين لمن قد عرف اللغة ، أن القول يقع فيه المجاز ، فيقال : قال الحائط فمال ، وقل برأسك إليّ ، أي أمله ، وقالت الناقة ، وقال البعير . ولا يقال في مثل هذا المعنى : تكلم ، ولا يعقل الكلام إلا بالنطق بعينه ، خلا موضع واحد وهو أن تتبين في شيء من الموات عبرة وموعظة فتقول خبّر وتكلم وذكّر ، لأنه دلّك معنى فيه ، فكأنه كلمك ، وقال الشاعر « 2 » : وعظتك أجداث صمت * ونعتك ألسنة خفت وتكلمت عن أوجه * تبلى وعن صور سبت وأرتك قبرك في القبو * ر وأنت حيّ لم تمت وقال الكميت يمدح رجلا « 3 » : أخبرت عن فعاله الأرض واستن * طق منها اليباب والمعمورا
--> العروس ( عشب ) ، ( أسد ) ، ( مرع ) ، وكتاب العين 1 / 262 ، 7 / 286 ، ومقاييس اللغة 4 / 323 ، وأساس البلاغة ( عشب ) ، ( أسد ) ، والطرائق الأدبية ص 58 ، ولرؤبة في كتاب العين 1 / 128 ، وليس في ديوانه . ( 1 ) يروى الشطر الأول من الرجز : يستمخر الريح إذا لم يسمع والرجز بلا نسبة في لسان العرب ( مخر ) ، ( قرع ) ، وتاج العروس ( مخر ) ، ( قرع ) ، وديوان الأدب 1 / 311 . ( 2 ) الأبيات من المتقارب ، وهي لأبي العتاهية في ديوانه ص 52 ، وعيون الأخبار 2 / 306 . ( 3 ) البيت من الخفيف ، وهو في ديوان الكميت 1 / 203 ، وأساس البلاغة ( يبب ) ، والبيت بلا نسبة في مقاييس اللغة 6 / 151 .